نصوص بيئية نموذجية
نظرة من الفضاء
 
فاروق الباز /

 

البيئة الصالحة من أهم ركائز الحضارة. فالانسان المتحضر يسعى دائماً لنظافة البيئة المحيطة به ويعامل كل ما خلقه اللـه باحترام وعدل ومساواة. تكثر أمثلة ذلك في تاريخ البشرية. ففي مصر القديمة، على سبيل المثال، لم يكن مسموحاً بمقابلة الآلهة بعد الممات إلا لمن استطاع القول: «لم أقطع شجرة ولم ألوث النهر». كذلك فان أجدادنا العرب في أوج حضارتهم اهتموا بجمال ما يحيط بهم ونظافته ورونقه، وكان أول نظام للصرف الصحي في مدينة ذاك الذي أنشأوه في غرناطة باسبانيا قبل 12 قرناً من الزمان.

 

منذ سبعينات القرن العشرين بدأ اهتمام ملحوظ ببيئة الأرض، وخاصة من هيئة الأمم المتحدة. سبب ذلك هو التعرف على أن ما تقوم به دولة أو جماعة في مكان ما يمكن أن يؤثر على بيئة الأرض بأكملها، مثل زيادة ثاني اوكسيد الكربون في الغلاف الجوي نتيجة إحراق الفحم أو النفط لانتاج الطاقة. لذلك تم الاتفاق العالمي على مشاركة الدول والجمعيات الأهلية في متابعة ومعالجة ما يحصل محلياً، لأن ذلك يصحّ أن يكون له أثر عالمي.

 

ويتصف العالم العربي بالبيئة الصحراوية حيث يقل المطر لندرة السحب. وكان رواد رحلات «أبولو» لاستكشاف القمر يذكرون أن المنطقة العربية هي الوحيدة في الكرة الأرضية التي تظهر تضاريسها واضحة جلية من الفضاء الخارجي، وذلك لقلة ما يغطيها من سحب. لذلك يجب ان نفهم الصحراء، كيف تكونت وكيف تغيرت مع الزمن، لكي نتعلم كيف نتعامل مع بيئتنا الجافة وكيف نستخدم ثرواتها الطبيعية أحسن استخدام ودون الاضرار بها.

 

تؤهل لنا صور الفضاء التعرف على الوضع الحالي في اليابسة والمناطق الساحلية، وخاصة في المناطق الصحراوية.  وهي تساهم كثيراً في متابعة المتغيرات في البيئة، وذلك لوجود صور تغطي كل اليابسة منذ أوائل السبعينات. ويمكن مقارنة صور قديمة مع أخرى حديثة للتعرف على ما حصل من تغييرات في الفترة ما بين الصورتين. مثلاً، يمكن التعرف على ما تغير نتيجة فيضان أو سيل جارف أو زلزال أثر على مدن أو قرى، أو على ما نتج من تسرب النفط من ناقلة في خليج أو في أعالي البحار. كل هذه التغيرات البيئية، أكانت طبيعية أو من صنع الانسان، يمكن التعرف على مكانها ونتائجها.

 

للحصول على بيانات من مدار الأرض، تحلق المركبات الفضائية المأهولة وغير المأهولة في مدارات عالية ومتوسطة ومنخفضة. وقد تركت المدارات العليا للأقمار الاصطناعية غير المأهولة الخاصة بالطقس، على ارتفاع يصل الى 36 ألف كيلومتر فوق سطح الأرض، حيث تعادل سرعة الأقمار الاصطناعية سرعة دوران الأرض حول محورها. ويطلق على هذه الأقمار اسم «الاقمار الثابتة أرضياً»، بمعنى أنها تظل مستقرة فوق نقطة معينة على سطح الأرض للحصول على صور متعاقبة ونقلها ساعة بساعة.

 

وفي الارتفاعات المنخفضة، يتم وضع معظم أقمار المهام الفضائية المأهولة في مدارات تراوح بين 150 كيلومتراً و300 كيلومتر فوق سطح الأرض.  أما المدارات المتوسطة الارتفاع، فتراوح بين 700 و1000 كيلومتر فوق سطح الأرض، وهي المنطقة التي تضم معظم الأقمار الاصطناعية غير المأهولة الخاصة بالتصوير.

 

يستطيع رادار التصوير المحمول على مكوك الفضاء التقاط صور التضاريس المتنوعة، بما فيها الصدوع والصخور الناتئة والكثبان الرملية. ومن بين التضاريس التي تم الكشف عنها قنوات مائية تعود لنهر قديم، ومجار لجداول مائية قديمة مدفونة تحت الرمال على عمق خمسة أمتار في الجزء الجنوبي الغربي من الصحراء الغربية في مصر بالقرب من الحدود مع السودان، وفي ليبيا، ومثيلات لها في شبه الجزيرة العربية.

 

حثت هذه النتائج الاهتمام بالبحث عن دليل جديد على وجود قنوات نهرية مدفونة تحت الرمال، وتحقيق توثيق أفضل لأزمنة فترات الأمطار الغزيرة. وقد سجلت أجهزة رادار التصوير الفضائي صوراً لعدد كبير من الأنهار والجداول في شرق الصحراء الكبرى، وكذلك في الجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية، وتحديداً في إمارة دبي بالقرب من جبال عُمان. وعلاوة على ذلك أجريت عمليات قياس إضافية لأزمنة الفترات المناخية الرطبة الماضية في شرق الصحراء الكبرى.

 

وبناء على التوثيق الذي تم عن طريق التأريخ بالكربون المشع والاستكشافات الأثرية، يمكن القول بأن الصحراء العربية مرت بفترة رطوبة أشد إبان الحقبة الهولوسينية المبكرة والوسطى، أي منذ ما بين 10.000 و5.000 عام مضى. وقبل ذلك تعاقبت دورات الجفاف والرطوبة الى ما قبل 500.000 عام.

 

وتدعم هذه النتائج الزعم القائل بأن فترات الأمطار الغزيرة الماضية في صحارى شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية تناظر فترات فاصلة بين الدورات الجليدية في الشمال.

 

 (مجلة «البيئة والتنمية»، تموز / يوليو 2002)

 
 
 
العودة
نشاطات مدرسية
إختبر معلوماتك
افلام
وثائقية
بوستر
للطباعة
إختبارات بيئية
         
  © Afed-ecoschool 2012 By Activeweb ME