نصوص بيئية نموذجية
السلوك البشري والبيئة
 
مصطفى كمال طلبه /

 

ليست هناك معادلة جاهزة تصلح لكل الأحوال لتحقيق التوازن بين التقدم الصناعي والمحافظة على صحة البيئة. ذلك لأن هذا التوازن يرتبط بالأحوال البيئية والاجتماعية التي تميز كل منطقة وكل دولة. ومن أجل ذلك ينبغي أن تختار كل دولة، لكل صناعة، التكنولوجيا المناسبة لأحوالها، ولا تنقلها الى غيرها نقلاً مباشراً. ثم ينبغي أن تؤخذ الاعتبارات البيئية، أي قدرة البيئة على استيعاب الملوثات والمخلفات الصناعية، في الحسبان عند التخطيط لمواقع المراكز الصناعية. فلا يكفي حساب الاعتبارات الاقتصادية والسياسية. كما يجب مراعاة الأحوال الاجتماعية والسكانية لكي لا تصبح المناطق الصناعية ميادين للتزاحم السكاني، حيث لا يجد الناس المسكن المناسب ولا الخدمات الاجتماعية والصحية الكافية.

 

البيئة هي الاطار الذي يعيش فيه الانسان. وهي المصدر الأساسي لعناصر الانتاج. وقد وصل الانسان، بقدراته العلمية والتكنولوجية وتطوره الصناعي، الى درجة تغيير صفات الاطار الذي يعيش فيه بما يدفعه من مركبات كيميائية الى الهواء والماء والأرض، والى درجة استنزاف المصادر البيئية، خصوصاً العناصر غير المتجددة كالخامات المعدنية والفحم والنفط. ان التوازن السليم بين الانسان والبيئة تعرض لخلل قد يؤدي الى مخاطر عظيمة. من هنا كان الاهتمام العالمي المتزايد بقضايا البيئة. وتبينت من خلال ذلك ضرورة الترابط بين الناس جميعاً، لشعورهم بوحدة الكوكب الذي يعيشون عليه، ووحدة الاطار البيئي الذي تعتمد عليه حياتهم، وتعرضهم لمخاطر بيئية مشتركة تتهدد الغلاف الجوي والمحيطات والبحار. وإذا كان هذا الاهتمام العالمي قد برز منذ قررت الأمم المتحدة عام 1967 عقد مؤتمر الانسان والبيئة، وما صاحب ذلك من دعوة الى الاهتمام بقضايا البيئة، فليس هذا الاهتمام مفاجئاً، وانما يرجع الى وعي الانسان لموقعه في الاطار البيئي وتبيّنه للعلاقات المتشابكة بينه وبين بيئته.

 

ان المشاكل البيئية في الدول الصناعية المتقدمة ترجع الى تكاثف الصناعات وتزايد ما تفرزه الى البيئة من ملوثات. والمشاكل البيئية في الدول المتخلفة ناجمة عن التخلف ذاته. والسبيل الى علاجها التنمية الاقتصادية والاجتماعية ورفع مستوى المعيشة. وأمام الدول النامية فرصة الافادة من خبرة الدول المتقدمة، بمراعاة الظروف البيئية عند التخطيط لمشاريع التنمية، واختيار التكنولوجيات الصناعية المناسبة للأحوال الاجتماعية والبيئية بما يحقق لها التنمية اللازمة، التي ينبغي أن تنصرف الجهود اليها في اطار أحوال بيئية متوازنة. والسبيل الى مكافحة المشاكل البيئية هو التنمية الراشدة ومزيد من التنمية. ينبغي ألا توقف الدول المتخلفة جهودها في مجالات التقدم الصناعي وتنمية الموارد الطبيعية خوفاً من مشاكل البيئة. انما هذه ناقوس ينبهها الى الافادة من خبرة الدول الصناعية، بحيث تخطط لنفسها بما يحقق التوزيع البيئي الأمثل لمراكز الصناعة، والاستغلال الراشد لمصادر الطبيعة. هكذا لا تؤدي التنمية الى تخريب البيئة التي يعيش فيها الانسان، بل الى مزيد من الرفاهية والقدرة على علاج المشاكل البيئية وعلى تحقيق التوازن السليم بين مصالح الانسان والأحوال البيئية.

 

والدول العربية، بما يربط بينها من وشائج، تواجه عدداً من القضايا البيئية المشتركة، سواء على نطاق المنطقة العربية بأسرها أو على نطاقات اقليمية جزئية، مثل منطقة الخليج ومنطقة الدول المطلّة على البحر الأحمر. وذلك يدعو الى ضرورة التعاون في مواجهة القضايا البيئية.

 

لا شك في أن العالم يواجه مشاكل حقيقة تعرّض أسس الحياة لمخاطر جسيمة. ولكن من المبالغة أن نقول إن العالم مقبل على نهايته، وإن البشرية في طريقها الى انتحار جماعي. والقصد من هذه الصيحات تنبيه الانسان الى المخاطر التي يتعرض لها مستقبله إن لم ينتبه ولم يراع الضوابط البيئية في مشاريع التصنيع والاسكان، والزيادة الهائلة في عدد السكان التي تصل الى بليون نسمة كل عشر سنوات، وما يرافقها من زيادة هائلة في استهلاك الموارد والطاقة. لذا فأي تحسين في البيئة يتطلب أولاً أن يتحسن سلوك الانسان البيئي.

 

 

(مجلة «البيئة والتنمية»، تشرين الثاني ـ كانون الأول / نوفمبر ـ ديسمبر 1996)

 
 
 
العودة
نشاطات مدرسية
إختبر معلوماتك
افلام
وثائقية
بوستر
للطباعة
إختبارات بيئية
         
  © Afed-ecoschool 2012 By Activeweb ME