13
فصول الدليل : الاستهلاك المستدام و البصمة البيئية
 
نشاطات تطبيقيّة | اختبر معلوماتك | سلوكيات شخصية مسؤولة | حقائق وأرقام | نشاطات مدرسيّة نموذجيّة | معلومات عامة | مقدمة
 

 يقبل الناس على شراء المأكولات والملابس والسيارات والأجهزة الإلكترونية والكهربائية وغيرها، التي تتسابق المصانع على توفيرها بأسعار تنافسية، فيستهلكونها أو يتخلّون عنها سريعاً، من دون أن يدروا بالأضرار التي تعرضت لها النظم الإيكولوجية أثناء إنتاجها وتصنيعها. فالمستهلكون غالباً لا يعرفون «البصمة البيئية» الكاملة للمنتجات التي يشترونها، مثل المياه التي استهلكت لإنتاج قميص أو شريحة لحم، والمبيدات التي يتعرض لها المزارعون والتي تلوث التربة والمياه والهواء، والدمار المحلي الذي تحدثه شركات الأخشاب التي تقطع أشجار الغابات لإنتاج الورق، والتلوث الذي تسببه المصانع.

 

أنماط الاستهلاك ليست مستدامة في معظم الدول، حيث تعتمد المنتجات والخدمات على الكثير من الموارد الطبيعية وتنجم عن استهلاكها كميات كبيرة من الملوثات. على سبيل المثال، يتم الاعتماد على الوقود الأحفوري غير المتجدد لتلبية معظم احتياجات النقل، هكذا يتم استنفاد احتياطات النفط والغاز الطبيعي والفحم، وتنبعث الملوثات وغازات الدفيئة في الجو مع حرق الوقود، خصوصاً غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي يتسبب في الاحتباس الحراري وتغير المناخ. ويترافق المزيد من الاستهلاك مع المزيد من التلوث.

 

وفي الدول النامية، خصوصاً الفقيرة، قد يستنزف المواطنون مواردهم الطبيعية لتلبية احتياجاتهم المعيشية الأساسية. على سبيل المثال، تتطلب «زراعة الكفاف»، أي التي توفر فقط قوت المزارعين، قطع الأشجار من أجل زرع الأراضي. وهذا من الأسباب الرئيسية لإزالة الغابات، ويؤدي إلى أضرار بيئية مثل تآكل التربة والتصحر وارتفاع مستويات ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي، لأن أشجار الغابات تمتص هذا الغاز وتنتج الأوكسيجين.

 

وقد أدى الاستهلاك المتزايد للأسماك إلى استنزاف كثير من المصائد الطبيعية في العالم. وفي الوقت ذاته، ازداد إنتاج الأسماك في مزارع الأحياء المائية نحو 10 أضعاف منذ العام 1984، ويأتي نحو نصف كمية الأسماك التي يأكلها البشر حالياً من هذه المزارع. لكن التوسع الكبير لمزارع الأحياء المائية يثير مخاوف حول تدهور الموائل البرية والبحرية والتلوث وانتشار الأمراض بين تجمعات الأسماك المزدحمة التي تتم تربيتها في ظروف الاستزراع السمكي المكثف.

 

وارتفع الإنتاج العالمي للحوم المواشي والدواجن أكثر من أربعة أضعاف خلال نصف القرن الأخير، وبلغ 323 مليون طن عام 2017، بحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة (فاو) التابعة للأمم المتحدة. ويأكل سكان البلدان الصناعية والغنية كميات من اللحوم تزيد على ضعفي ما يأكله سكان بلدان أخرى على صعيد الفرد. ويستهلك إنتاج اللحم البقري كمية من المياه تزيد كثيراً على ما يستهلكه إنتاج أنواع أخرى من اللحوم، فإنتاج كيلوغرام واحد منه يتطلب نحو 15 ألف ليتر. ويفرض النمو المطرد لإنتاج اللحوم واستهلاكها على المستوى العالمي تكاليف بيئية وصحية كبيرة، نظراً لاعتماده الواسع النطاق على المراعي والمياه والحبوب العلفية والمضادات الحيوية والهورمونات. ويقدر أن 80% من الأراضي الزراعية في العالم تستخدم لإنتاج الأعلاف، مع أن المواشي تؤمن 20% فقط من الوحدات الحرارية (كالوري) لسكان العالم.

 

وفيما ارتفع إنتاج الغذاء واستهلاكه بشكل كبير، هناك مخاوف بشأن ظروف العمال واستخدام المواد الكيميائية الزراعية وزوال الغابات وتأثيرات ذلك على التنوع البيولوجي. ويرزح ملايين المزارعين الصغار في أنحاء العالم تحت رحمة تحديات قاهرة، من تقلب الأسعار إلى دعم الأسعار غير العادل الذي تقدمه بلدان غنية لمزارعيها. وهناك محاصيل كثيفة الاستهلاك للمبيدات، مثل القطن، ومن تداعيات ذلك نشوء آفات مقاومة للمبيدات، ومشاكل صحية، وتلوث المياه السطحية والجوفية. وللقطن «بصمة مائية» كبيرة، إذ إن إنتاج سروال جينز على سبيل المثال يستهلك نحو 11 ألف ليتر من المياه.

 

وغالباً ما تُرمى المنتجات الورقية بعد شرائها بقليل، ويعاد تدوير نسبة ضئيلة منها، مع أن التدوير يحافظ على الأشجار والطاقة والمياه. ويُستخدم أكثر من نصف مجموع الورق المنتج لأغراض التغليف والتوضيب. ويتنامى استهلاك الورق بشكل ملحوظ في العالم، لكن الاستهلاك الفردي لسكان البلدان العربية الغنية يزيد كثيراً على استهلاك معظم البلدان الأخرى، بحسب تقرير معهد «وورلد واتش» الأميركي للأبحاث البيئية.

وواصل الإنتاج العالمي من البلاستيك ارتفاعه منذ بدء إنتاجه تجارياً في خمسينات القرن العشرين، وتم إنتاج نحو 350 مليون طن منه عام 2018. لكن معدلات التدوير بقيت منخفضة، لا تتجاوز 9 في المئة عالمياً. وتنتهي غالبية المنتجات البلاستيكية في المطامر والمحيطات بملايين الأطنان، حيث تبقى مئات السنين، ملوثة النظم الإيكولوجية وموقعة الأحياء البحرية في شراكها ومفسدة نوعية حياة المجتمعات. وينتشر البلاستيك في كل مكان وقطاع، من النقل والعمارة الى الرعاية الصحية والأغذية والمياه المعبأة والمرطبات والسلع الاستهلاكية. وكما في حال الورق، يستأثر التوضيب والتغليف بحصة ضخمة من استهلاك البلاستيك.

 

ويتجاوز أسطول السيارات في العالم حالياً البليون سيارة، تساهم في تلوث الهواء وإطلاق انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون المسببة للاحتباس الحراري.

 

تكمن النزعة الاستهلاكية المنفلتة في صلب كثير من هذه التحديات. لذا تلعب خيارات الاستهلاك دوراً حاسماً. وبالنسبة إلى هذه المواد والسلع وغيرها، لا بد من تخفيض الاستعمال القصير الأجل وغير الضروري، وإيجاد بدائل أكثر رفقاً بالبيئة. ولئن تكن توعية المستهلكين عاملاً مهماً، لكن يجب إجراء تغييرات كثيرة قبل أن تجد المنتجات البديلة طريقها الى رفوف المتاجر، وهذا يتطلب عملاً تقوم به الحكومات.

يدعو الهدف 12 من أهداف التنمية المستدامة إلى تنفيذ برامج الاستهلاك والإنتاج المستدامين في جميع البلدان، وتحقيق الإدارة المستدامة والاستخدام الكفوء للموارد الطبيعية بحلول سنة 2030. (راجع أهداف التنمية المستدامة في الفصل 11). وتستهدف أنماط الاستهلاك والإنتاج المستدامة «إنتاج المزيد بشكل أفضل وبكلفة أقل». هكذا تزداد المكاسب الاجتماعية الناشئة عن الأنشطة الاقتصادية عن طريق تخفيض استعمال الموارد وتقليل تدهورها والتلوث الناشئ عنها. ويدخل فيها جميع المعنيين: المنتجون، والمستهلكون، وواضعو السياسات، والباحثون، والعلماء، والتجار، ووسائل الإعلام، ووكالات التعاون الإنمائي. وتشمل إشراك المستهلكين من خلال التوعية والتثقيف بأنماط الاستهلاك والحياة المستدامة، وتزويدهم بالمعلومات من خلال المعايير والملصقات التعريفية، وانخراط القطاع العام في المشتريات المستدامة.

 

الاستهلاك في البلدان العربية

 

خلال العقود الثلاثة الماضية، ازداد الطلب على المياه والطاقة في البلدان العربية عموماً بشكل كـبير، نتيجة لازدياد النمـو السكـاني والحضري، وتحسن المستوى المعيشي، وتغيرات في أنماط الحياة، والتنمية الصناعية، والجهود الآيلة إلى زيادة الاكتفـاء الذاتي الغـذائي. وبما أن غالبية البلدان العربية هي من الأكثر تحضّراً في العالم، أي في التحول إلى العيش في المدن، فإن التحضّر هو دافع قـوي آخر للطلب على الطاقة والمياه والغذاء بسبب التغيرات في أنماط الحياة والسلوكيات الاستهلاكية.

وقد أصدر المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) تقريراً بعنوان “الاستهلاك المستدام” يلقي الضوء على أنماط الاستهلاك في البلدان العربية ويقترح تدابير ملائمة لإصلاحها. ومن هذه التدابير توفير حوافز لتبديل العادات الاستهلاكية، وتغيير العادات الغذائية مثل أكل السمك والحبوب بدل اللحم الأحمر، ورفع الدعم تدريجياً عن أسعار الكهرباء والوقود والمياه، واعتماد تشريعات واستثمارات وحوافز لأنماط مستدامة في الاستهلاك والإنتاج.

 

كفاءة استهلاك الطاقة:

المنطقة العربية هي أحد أبرز مراكز الطلب على الطاقة في العالم. ويختلف نصيب الفرد من استهلاك الطاقة بشكل كبير بين البلدان ذات الدخل المرتفع المنتجة للنفط والبلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض غير المنتجة للنفط. فنصيب الفرد من استهلاك الكهرباء في الكويت مثلاً هو الأعلى في المنطقة العربية، ويبلغ نحو سبعة أضعاف المتوسط العربي وخمسة أضعاف المتوسط العالمي، ويستهلك المواطن الكويتي الواحد ما قد تستهلكه 13 أسرة سودانية يتألف كل منها من خمسة أشخاص. وقد بدأت معظم البلدان العربية خلال السنوات القليلة الماضية مبادرات لحفظ الطاقة شملت إصلاح أسعار الكهرباء والوقود واعتماد تدابير كفاءة الطاقة.

كفاءة استهلاك المياه:

تُعَد المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم إجهاداً على صعيد المياه. لكن مستوى الاستهلاك الفردي العالي في كثير من البلدان عزز الطلب المنزلي المفرط على المياه. وتُعَد الرسوم المائية في غالبية البلدان العربية متدنية، ما لا يقدّم أي حافز للمستهلك للاقتصاد بالمياه. كذلك يبدو أن نصيب الفرد من الاستهلاك المائي يرتبط في شكل وثيق بمستويات الدخل الخاصة بالبلدان، فبلدان مجلس التعاون الخليجي العالية الدخل تستهلك كميات أكبر بكثير من المياه مقارنة ببلدان أخرى.

 

وكشفت نتائج استطلاع أجراه المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) عام 2015 أن 77 في المئة من المشاركين مستعدون لدفع تعرفات أعلى لقاء استهلاكهم، في مقابل حصولهم على منافع وخدمات اجتماعية أفضل، مثل التعليم والضمان الصحي ونظم تقاعد مناسبة. لذلك يجب إعادة النظر في مخاوف الحكومات من تسعير المياه في حال التفكير بتقديم منافع اجتماعية محسَّنة. ولا يكفي الوعي العام لتغيير العادات الاستهلاكية، فلا مناص من التدخلات الحكومية، ومن ذلك تحفيز استخدام معدات مقتصدة بالمياه في المنازل والمؤسسات واعتماد أساليب الري المقتصد في الزراعة التي تستهلك نحو 85 في المئة من المياه.

 

النظام الغذائي العربي:

تعتمد بلدان عربية كثيرة بشكل حاد على واردات الغذاء، ومع ذلك فإن مستويات استهلاك الغذاء عموماً هي في النطاق المتوسط الأعلى. وتُعتبَر الرفاهية المتزايدة الدافع الرئيسي للطلب على الغذاء وللتغيرات في عادات الاستهلاك في المنطقة. لذلك تشهد البلدان العربية تحوّلاً في التغذية يتّسم بالابتعاد عن النظام الغذائي التقليدي الموسمي والأكثر تنوعاً، الغني بالحبوب الكاملة والفواكه والخضر، إلى نظام غذائي «غربي» غير صحي غني بالحبوب المكررة والبروتين الحيواني والشحوم والسكر والملح. وقد تراجع معدل نقص التغذية ونقص الوزن في بعض البلدان العربية، خصوصاً بين الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات، ولكن حصلت زيادة كبيرة موازية في انتشار زيادة الوزن والبدانة والأمراض غير المنقولة المرتبطة بالنظام الغذائي، مثل السكري وأمراض القلب والشرايين والسرطان.

وتُعتبَر مكونات ضارة كثيرة في النظام الغذائي العربي الحالي أمثلة على الأغذية التي تؤثر سلباً في أمن الغـذاء والتغذية. مثلاً، يُستهلَك اللحم الأحمر بإفراط مع آثار سلبية على الصحة البشرية وعلى استدامة النظام الغذائي، فيما الأسماك والدواجن أغذية أصحّ تُستهلَك أقل من اللازم، على رغم إمكان إنتاجها بشكل مستدام وبتأثير بيئي أقل. ولو خفف المواطن العربي معدل استهلاك اللحوم الحمراء 25 في المئة، من 17 كيلوغراماً للفرد في السنة حالياً إلى نحو 13 كيلوغراماً، لأمكن توفير 27 بليون متر مكعب من المياه سنوياً، باعتبار أن انتاج كيلوغرام واحد من اللحم يتطلب 15 متراً مكعباً من المياه. لذلك يعتبر تغيير العادات الغذائية مسألة حاسمة، تشمل قيماً وتقاليد اجتماعية وثقافية معقدة. ولا بد من العمل لتعزيز التغيير الإيجابي في أنماط استهلاك الغذاء في المنطقة العربية، كمّية ونوعيّة، بزيادة التأكيد على المنافع الصحية، لأن الرأي العام يتقبلها في شكل أسهل.

 

تلازم أمن المياه والطاقة والغذاء وتغير المناخ:

يرتبط توافر المياه والطاقة والغذاء بشكل وثيق في المنطقة العربية، وربما بشكل أوثق مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم. فالمنطقة العربية غنية بالطاقة المتمثلة بالنفط والغاز الطبيعي وإمكانات طاقة الشمس والرياح، لكنها تعاني شحاً مائياً ونقصاً غذائياً. وهذا يستدعي تطبيق مقاربة التلازم (nexus) في إدارة واستهلاك الموارد الحيوية الثلاثة: الطاقة والمياه والغذاء.

 

ويُعتبَر تغير المناخ تحدياً إضافياً قد يفاقم الوضع الشحيح للموارد الطبيعية. وفي ضوء محدودية الأراضي الزراعية في المنطقة، ونظراً إلى أن الزراعة البعلية المروية بالأمطار هي الممارسة السائدة، إلى جانب ممارسات زراعية سيئة وغير مستدامة في بعض الحالات، تُعتبَر الموارد الغذائية للمنطقة وحاجاتها الزراعية معرضة جداً لتأثيرات تغير المناخ، خصوصاً موجات الجفاف والفيضانات التي ازدادت بشكل لافت في المنطقة.

 

هذا التلازم القوي بين الطاقة والمياه والغذاء والتغير المناخي يفرض ضرورة التنسيق في وضع السياسات، خصوصاً في ما يخص التخفيف من أسباب تغير المناخ والتكيف معه. لذلك يجب التحول عن النهج التقليدي لوضع السياسات إفرادياً في كل قطاع، باتجاه مقاربة تخلق تآزراً عبر القطاعات. كذلك من المهم تحقيق التعاون الحقيقي بين البلدان العربية على صعيد السياسات والاستراتيجيات المتعلقة بالمياه والأراضي الزراعية والطاقة وتغير المناخ.

 

دعم الأسعار يعزز الهدر:

لغالبية البلدان العربية تاريخ طويل من دعم أسعار الطاقة والمياه والغذاء. ولطالما كان دعم الطاقة عقبة رئيسية أمام تعزيز كفاءة استخدامها. وكان تسعير المياه مسألة خلافية في معظم البلدان العربية بسبب اعتبارات ثقافية ودينية متناقلة. مثلاً، يبلغ معدل السعر الذي يدفعه المستهلك للمياه في المنطقة العربية نحو 35 في المئة من كلفة إنتاجها، وفي حالة المياه المحلاة يبلغ 10 في المئة فقط. لكن وضع سياسات تسعير مناسبة يمكن أن يوضح للمستهلكين القيمة الحقيقية للمياه ويحفزهم على التعامل معها على هذا الأساس، ما يدفعهم إلى عقلنة استهلاكهم. إضافة إلى ذلك، تواصل الحكومات العربية تأمين أغذية وسلع وخدمات أخرى متدنية الأسعار للسكان.

 

تبيّن التجربة أن الدعم في المنطقة يعزز السلوك الاستهلاكي المبذر، ولا يساعد في التخفيف من العبء الذي يتحمله الفقراء، فأكثر من 90 في المئة من الدعم العام يذهب إلى الأغنياء. ووجدت دراسة للبنك الدولي أن الأسر المتدنية الدخل في تونس مثلاً تتلقى 2 في المئة فقط من دعم الطاقة، فيما تتلقى الأسر العالية الدخل نحو 67 في المئة من دعم البنزين و60 في المئة من دعم الديزل. وأظهرت الدراسة أيضاً، بالنسبة إلى دعم الغذاء في ريف صعيد مصر، أن نصيب الفرد في الخُمس الأغنى من السكان يزيد بنحو 48 في المئة عن نصيب الفرد في الخُمس الأفقر.

 

في المساعي الهادفة إلى عكس هذه الاتجاهات، لدى البلدان العربية تجارب مختلفة على صعيد إصلاح الأسعار، خصوصاً في قطاعي الطاقة والمياه. وكما ذكر سابقاً، بيَّن استطلاع “أفد” أن 77 في المئة من المشاركين يوافقون على دفع مبالغ أكبر في مقابل المياه والطاقة، إن جرى تعويضهم بمنافع اجتماعية أكبر، مثل التعليم والضمان الصحي ونظم تقاعد مناسبة. لذلك، إذا ترافقت نظم إصلاح الدعم في المنطقة العربية مع تدابير تخفيفية مناسبة، فيمكنها أن تكون في الوقت ذاته أداة قوية للحكومات في معالجة المظالم الاجتماعية الاقتصادية العميقة جداً التي ساهمت في اندلاع الاضطرابات الاجتماعية المعروفة باسم “الربيع العربي”.

 

البصمة البيئية في البلدان العربية

 

استهلكت البشرية خلال الأشهر الأولى من سنة 2019 ميزانية الطبيعة لسنة كاملة، بحسب بيانات شبكة البصمة البيئية العالمية (GFN) التي ترصد طلب البشرية على موارد الأرض (أي البصمة البيئية) في مقابل قدرة الطبيعة على النهوض بأعباء هذا الطلب (أي القدرة البيولوجية).

 

تتجلى تكاليف هذا “الإنفاق الإيكولوجي” المفرط يوماً بعد يوم، في شكل زوال الغابات، والجفاف، وشح المياه العذبة، وتدهور التربة، وخسارة التنوع البيولوجي، واستنزاف الموارد، وإنتاج النفايات، وتراكم ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

 

تمكننا حسابات “البصمة البيئية” من مقارنة كمية موارد الطبيعة المتاحة لنا وكمية ما نستهلكه. وتتولى شبكة البصمة البيئية العالمية تحديث حسابات البصمات الوطنية لأكثر من 220 دولة كل سنة. فتقارن بين طلباتها على الموارد والخدمات الإيكولوجية وكمية هذه الموارد والخدمات الإيكولوجية المتوافرة داخل حدودها. ويختلف أداء كل بلد سنة بعد سنة، لكن اتجاهاً واحداً ما زال مهيمناً منذ عقود: التجاوز الإيكولوجي العالمي يتنامى، وهو حالياً أعلى 54 في المئة من القدرة البيولوجية لكوكب الأرض، وتتطلب البشرية حالياً قدرة بيولوجية تفوق مرة ونصف مرة ما يستطيع كوكبنا تجديده.

 

عام 2012، كلّف المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) الشبكة العالمية للبصمة البيئية بإنتاج أطلس للبصمة البيئية في البلدان العربية يستقصي استهلاك الموارد والقدرة التجديدية للطبيعة. ومن أبرز ما توصلت اليه دراسة المنتدى أن متوسط البصمة البيئية للفرد في البلدان العربية ارتفع بنسبة 78 في المئة بين العامين 1961 و2008، فيما ازداد عدد السكان 250 في المئة، ما يعني أن البصمة البيئية الإقليمية الشاملة زادت أكثر من 500 في المئة. وتراجعت القدرة البيولوجية المتوافرة للفرد في البلدان العربية بمعدل 60 في المئة خلال هذه الفترة. وتعاني المنطقة ككلّ، منذ العام 1979، عجزاً متزايداً في القدرة البيولوجية، حيث أن طلبها على الخدمات الإيكولوجية يتجاوز الإمدادات المحلية. ولتغطية هذه الفجوة، كان لا بد من استيراد خدمات إيكولوجية من خارج حدود المنطقة. وهذه الحالة تفرض قيوداً مشددة على الازدهار الاقتصادي والرفاه البشري.

 

يحلل «أطلس البصمة البيئية والموارد الطبيعية في البلدان العربية» حجم الطلب على الموارد، أي البصمة البيئية، والإمدادات المتوافرة، أي القدرة البيولوجية، بمقياس «الهكتارات العالمية». وتشمل تحليلاته الدول الـ22 الأعضاء في جامعة الدول العربية، كدول منفردة ومناطق فرعية والمنطقة العربية مجتمعة. في ما يأتي أهم التحليلات والنتائج الواردة في الأطلس:

 

وفقاً لقياسات حسابات البصمة البيئية في العام 2008، تطلَّب كل مقيم في البلدان العربية، في المتوسط، أكثر من ضعفي الموارد المتجددة المتوافرة محلّياً. فمقارنة مع العام 1961، ارتفع مستوى البصمة البيئية للمنطقة 78 في المئة، من 1.2 الى 2.1 هكتار عالمي للفرد. يُضاف إلى ذلك أنّ البلدان العربية كان لديها القليل نسبيّاً من مواردها داخل حدودها، إذ لم تزِد قدرتها البيولوجية في العام 2008 عن 0.9 هكتار عالمي للفرد. وهذه قدرة متدنية جدّاً عن مستواها السابق الذي بلغ 2.2 هكتار عالمي للفرد في العام 1961، أي بتراجع 60 في المئة خلال أقل من خمسين عاماً. وذلك بالدرجة الأولى نتيجة النمو السكاني، إضافة إلى ارتفاع معدلات الاستهلاك مع ارتفاع الدخل وتبدل أنماط الحياة. واستمرّ هذا التجاوز أساساً بسبب استيراد الموارد، واستنفاد الموارد المتجدّدة، وارتفاع مستوى انبعاثات الكربون للفرد. والمعلوم أن واردات الدول العربية تموَّل من مداخيل تصدير الوقود الأحفوري والمساعدات الخارجية والديون، فإذا ارتفعت الأسعار، كأسعار واردات السلع الزراعية مثلاً، فإن هذا النموذج سيصبح غير مستدام اقتصاديّاً.

 

وتظهر البيانات الواردة في أطلس البصمة البيئية تفاوتاً كبيراً بين البلدان العربية. فمعدل بصمة الفرد في قطر كان الأعلى في العالم عام 2008 (11.7 هكتار عالمي للفرد)، وأعلى 13 ضعفاً من معدل البصمة البيئية لليمني وتسعة أضعاف معدل البصمة البيئية في المغرب. واحتلت الكويت والامارات المرتبتين الثانية والثالثة بين الدول صاحبة البصمة البيئية الأعلى للفرد في العالم.

 

ويتبين من أرقام الأطلس أنه اذا عاش جميع سكان العالم وفق المعدل العام للمواطن العربي، ستكون هناك حاجة الى 1.2 كرة أرضية. أما اذا عاشوا وفق معدل المقيم في قطر، فستكون هناك حاجة الى 6.6 كواكب لتلبية مستوى الاستهلاك وانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. في المقابل، اذا عاش العالم كله وفق معدل الفرد في المغرب، ستكون هناك حاجة الى ثلاثة أرباع الكرة الأرضية فقط لتلبية حاجاتهم.

 

كذلك، ثمّة تباينات كبيرة في توافر القدرة البيولوجية للفرد، بحيث أنها بلغت عام 2008 في السودان 2.3 هكتار عالمي للفرد، أي نحو 10 أضعاف القدرة في العراق أو الأردن التي بلغت 0.2 هكتار عالمي للفرد.

 

ويظهر التفاوت أيضاً في أشكال أخرى، مثل كمية المياه العذبة الطبيعية المتوافرة للفرد، التي تراوح بين 8 أمتار مكعبة في الكويت و3460 متراً مكعباً في موريتانيا، والناتج المحلي الإجمالي للفرد الذي يراوح بين ما يقارب ألف دولار في السودان واليمن وأكثر من 92 ألف دولار في قطر.

 

كانت البصمة البيئية الإجمالية للبلدان العربية 717 مليون هكتار عالمي في العام 2008 (4 في المئة من المجموع العالمي)، مقارنة بـ116 مليون هكتار عالمي في العام 1961 (2 في المئة من المجموع العالمي في ذلك العام). وكانت في العام 2008 تستهلك من الموارد أكثر مما تستطيع قدراتها البيولوجية المحلية أن تجدّده. ومع أن طلب سكان المنطقة على الموارد هو أدنى من المعدّل العالمي، فإن توافر القدرة البيولوجية للفرد محليّاً هو متدنٍّ أيضاً، وذلك ناتج، إلى حدّ ما، عن أوضاع الجفاف في المنطقة والنموّ السكاني المرتفع. وقد ظلّت البصمة البيئية للبلدان العربية، حتى العام 1980، أقل من قدرتها البيولوجية على أساس حصة الفرد. علاوةً على ذلك، ازداد استهلاك المنطقة العربية للوقود الأحفوري للوفاء بالطلب المتعاظم على الكهرباء وتحلية المياه، وهذا ما زاد البصمة البيئية للمنطقة وزاد العجز في قدرتها البيولوجية، كما يُنتظر أن يحدّ من خيارات المنطقة في المستقبل في ظل تزايد السكان وارتفاع الدعم المحلي للأسعار. وهكذا فإن المنطقة العربية تنتمي إلى فئة المناطق التي تعتمد على استيراد قدرة بيولوجية خارجية.

 

تضم البلدان العربيّة 5 في المئة من سكان العالم ولديها 2.5 في المئة فقط من مجموع القدرة البيولوجية العالمية. وتتركز القدرة البيولوجية العربية، بالدرجة الأولى، في وادي النيل الذي يمثل 49 في المئة من القدرة البيولوجية للمنطقة. وبلغت القدرة البيولوجية الإجمالية للمنطقة العربية عام 2008 قرابة 302 مليون هكتار عالمي، أي أقلّ من نصف بصمتها البيئية الإجمالية البالغة نحو 717 مليون هكتار عالمي. وللمقارنة، كانت القدرة البيولوجية للمنطقة في العام 1961 أكبر من بصمتها البيئية بمقدار 86 في المئة. ويعود هذا التحوّل، في المقام الأوّل، إلى ارتفاع عدد السكان (زيادة 250 في المئة بين 1961 و2008) بوتيرة أسرع بكثير من مجموع القدرة البيولوجية (زيادة 40 في المئة بين 1961 و2008).

 

معظم الدول العربية اليوم هي مديونة بيئيّاً، إذ إنّ لديها من القدرة البيولوجية أقلّ مما تستخدمه للوفاء باحتياجاتها الاستهلاكية. وعاقبة هذا التجاوز مزدوجة: فمن ناحية، تتراكم النفايات في الغلاف الجوي، ومنها ثاني أوكسيد الكربون. ومن ناحية أخرى، يتم استنزاف موجودات النُظُم الإيكولوجية (الأراضي الزراعية، مصائد الأسماك، طبقات المياه الجوفية) التي تجمّعت على مرّ العصور. ونشهد اليوم عواقب تجاوز القدرات البيئية واضحة في تدهور الأراضي وتلوّث المياه ونضوب المياه الجوفية وخسارة التنوع البيولوجي وتغيّرات المناخ. وحين يكون استنزاف النظم الإيكولوجية واسع النطاق أو مستمراً لفترات طويلة، يستغرق التجديد زمناً طويلاً أيضاً. وحتى لو بُذلت جهود جبارة، فإن أي نظام إيكولوجي متدهور قد لا يعود إلى مستوياته السابقة في الإنتاجية والتنوّع البيولوجي.

 

ثمّة هوّة واضحة تفصل بين البلدان التي تشكّل العالم العربي: فهناك دول صغيرة غنية جدّاً وذات قدرة بيولوجية ضئيلة، ودول كبيرة فقيرة ماليّاً ولكن غنية نسبياً من حيث القدرة البيولوجية. غير أنّ عاملين مشتركين يجمعان بين مختلف بلدان المنطقة، هما تدني القدرة البيولوجية للفرد بسرعة نتيجة للنموّ السكاني، واحتمال أن يشكل تناقص موارد المياه العذبة عائقاً أمام الاحتفاظ بالقدرة البيولوجية في المستقبل.

 

تعتمد المجتمعات البشرية على قدرة المحيط الحيوي على إمدادها بالخدمات البيئية، من أجل تجديد الموارد واستيعاب النفايات. وفي عالم يتنامى فيه انعدام أمن الموارد، فإن أي تحرّك يتجاهل الحدود البيئية لا يمكن أن يدوم. قد تتمكن الدول العربية الأعلى دخلاً من الاستمرار، فترة من الزمن، في الحصول على الموارد الباهظة التكاليف باستيرادها من بلدان أخرى. أما الدول العربية الأدنى دخلاً فلن يُتاح لها ذلك، وقد تضطرّ إلى الاعتماد أكثر على قدراتها البيولوجية الخاصة فتستنفد قاعدة مواردها، أو تلجأ إلى الاستدانة والمساعدات الخارجية ملقية المزيد من الديون على كاهل الأجيال القادمة.

 

لذلك، فإن متابعة أوضاع الموارد المتجدّدة وغير المتجددة في البلدان العربية، واستغلالها بطريقة مستدامة، أمر مهم جداً للصمود الاقتصادي في هذا العصر الجديد الذي ينعدم فيه أمن الموارد. وإذا استخدمنا هذه المعلومات لشقّ طريق نحو أمن الموارد، خصوصاً مع ترابط موارد الماء والطاقة والغذاء، فإننا نكون قد خطونا خطوة نحو ضمان الرفاهية المستدامة لسكان المنطقة العربية في المستقبل.

 
نشاطات مدرسية
إختبر معلوماتك
افلام
وثائقية
بوستر
للطباعة
إختبارات بيئية
         
  © Afed-ecoschool 2012 By Activeweb ME