12
فصول الدليل : الاقتصـاد الأخـضـر
 
نشاطات تطبيقيّة | اختبر معلوماتك | سلوكيات شخصية مسؤولة | حقائق وأرقام | نشاطات مدرسيّة نموذجيّة | معلومات عامة | مقدمة
 

 

يؤكد تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) “الاقتصاد الأخضر في عالم عربي متغيّر” أنه، على رغم ضرورة حماية القيم الأصيلة الكامنة في الأنظمة البيئية، فإن الدعوات للمحافظة على سلامة هذه الأنظمة ليست بهدف حماية غابات الأرض ومحيطاتها ومناخها من أجل الطبيعة فحسب، بل هي تهدف أيضاً إلى تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالأجيال البشرية الحالية والقادمة. ولا يمكن اعتبار مظاهر مثل نقص الماء العذب وتأكّل التربة السطحية وامتلاء الجو بالمواد السامة مجرد عواقب غير مقصودة للنمو الاقتصادي يمكن تحملها وقبولها. وإذا لم تعالج هذه الأضرار البيئية بحكمة فإنها، مع مرور الوقت، ستتفاقم بحدة وتؤدي آثارها المتراكمة إلى إجهاد شامل يطال الموارد والاقتصادات والصحة، حتى أن انعكاساتها قد تسبب التفكك الاجتماعي والاضطرابات السياسية. وهذه تكاليف باهظة ومدمرة بالنسبة لأي مجتمع.

 

لطالما كانت الأرزاق والاقتصادات تعتمد على الموارد والخدمات التي تتيحها هبات الطبيعة. لذلك فإن زيادة تدهور الموجودات الطبيعية والبيئية نتيجة لأنشطة الإنسان سوف تُضعف القدرة الإنتاجية الطويلة الأجل لهذه الأنظمة الإيكولوجية، من بحار وأنهار وبحيرات وغابات ومراع وغيرها، التي تعتمد عليها الاقتصادات لتلبية احتياجاتها الأساسية، ومنها المياه النظيفة والطعام والألياف والأدوية. لذا ينبغي أن نتبع نمط عيش أكثر اتزاناً وبرنامجاً يخدم التقدم الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بالتساوي. هذه المجالات الثلاثة مترابطة، ومحاولات تسريع النمو الاقتصادي بأساليب تُضعف الأوضاع البيئية أو الاجتماعية لا بد من أن تقوّضها المضاعفات وعوامل الإجهاد المتراكمة.

 

ممارسات غير مستدامة في المنطقة العربية

 

ساهمت مداخيل النفط والغاز في النمو الاقتصادي والاجتماعي السريع في كثير من البلدان العربية، لكن اقتصاداتها ظلت على مدى العقود الماضية تتأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية، ما عرضها لخضات اقتصادية قاسية. ولعل فشل الدول العربية في تنويع اقتصاداتها عن طريق التطوير الزراعي والصناعي يفسّر عدم قدرتها على خلق فرص عمل حقيقية كافية.

 

لقد ساهمت صيغ التنمية الاقتصادية التي تبنّتها الدول العربية في إفقار البيئة، فتراجعت مستويات جودة الهواء والماء والتربة بشكل متواصل. مثلاً، الانبعاثات السامة التي تطلقها معامل الكهرباء والسيارات والمصانع في الهواء تسبب الأضرار لكل الناس المعرّضين لتلوث الهواء. وتفريغ مياه الصرف في الأنهر أو البحيرات قد يجعل المياه العذبة غير صالحة للاستعمال. أما الأساليب الزراعية غير المستدامة والإفراط في الرعي فيسببان تأكل التربة ويخفضان إنتاجية الأرض تدريجياً. كما أن الإفراط في استغلال موارد المياه فوق حدود تجددها سوف يسرّع وتيرة نضوب هذه الموارد ويحرم الأجيال القادمة من إمكانية استخدامها. ولا شك في أن مثل هذه السلبيات البيئية تكلف خسائر اقتصادية باهظة وتحد من رفاه الناس والمجتمعات.

 

وغالباً ما يتحمّل الفقراء والنساء والأطفال العبء الأكبر لهذه التكاليف. ويمكن فهم التوترات العامة التي تسببها نماذج التنمية العربية من خلال تفحص مجموعة من المؤشرات. فالفقر ما زال يهيمن على نحو 70 مليون نسمة في البلدان العربية. وانعدام الأمن الاقتصادي يتفاقم مع ارتفاع مقلق لمعدلات البطالة التي تصل إلى 30 في المئة في صفوف الشباب، وهي الأعلى في العالم، بحسب تقرير التنمية الإنسانية العربية عام 2016 الذي حمل عنوان “الشباب وآفاق التنمية الإنسانية في واقع متغيّر”. وبما أن ثلث سكان المنطقة هم من الشباب في أعمار بين 15 و29 عاماً، وهناك ثلث آخر يقل عمرهم عن 15 عاماً، فقد دعا التقرير الدول العربية إلى الاستثمار في شبابها وتمكينهم من الانخراط في عملية التنمية، كشرط أساسي لتحقيق تقدم ملموس ومستدام في التنمية والاستقرار للمنطقة بأسرها.

 

التحول إلى اقتصاد عربي أخضر

 

يتطلب التحول الى اقتصاد أخضر مراجعة السياسات الحكومية وإعادة تصميمها لتحفيز تحولات في أنماط الإنتاج والاستهلاك والاستثمار. وفي تقريره «الاقتصاد الأخضر في عالم عربي متغير»، يحدد المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) مجموعة خيارات للسياسة العامة من أجل التحوّل إلى الاقتصاد الأخضر في ثمانية قطاعات: الزراعة، الطاقة، المياه، المدن والعمارة، النقل والمواصلات، الصناعة، إدارة النفايات، والسياحة. وهنا بعض ما جاء فيه:

 

قطاع المياه:

تواجه الموارد المائية أزمة حادة في معظم البلدان العربية، مدفوعة غالباً بسياسات تشجع على الإفراط في الاستهلاك وتجيز المبالغة في استغلال الموارد المائية الشحيحة المتوافرة، ما يجعل الأجيال المقبلة تدفع ثمن السياسات الراهنة. وفي البلدان العربية اليوم أكثر من 50 مليون نسمة يفتقرون إلى مياه نظيفة وخدمات صرف صحي مأمونة.

التحولات في سياسات قطاع المياه يجب أن تبدأ بادخال إصلاحات مؤسسية وقانونية تحسّن كفاءة استخدام المياه وإدارتها وحمايتها من التلوث. وعلى البلدان العربية أن تركز على سياسات تضبط الوصول الى المياه، وتعزز كفاءة الري واستخدام المياه، وتمنع تلوثها، وتقيم مناطق محمية حيوية لموارد المياه. ويجب العمل على زيادة نسبة مياه الصرف المعالجة من 60 في المئة حالياً إلى ما بين 90 و100 في المئة، وزيادة نسبة المياه المعالجة التي يعاد استخدامها من 20 في المئة حالياً إلى 100 في المئة. ولا بد من تطوير تكنولوجيات جديدة لتحلية المياه، خاصة باستخدام الطاقة الشمسية.

 

قطاع الزراعة:

يشكل الأمن الغذائي تهديداً كبيراً آخر، يدفعه بشكل رئيسي إهمال القطاع الزراعي وتخلفه، الأمر الذي يؤدي إلى سوء الإنتاجية الزراعية وانخفاض كفاءة الري وضعف خدمات الإرشاد الزراعي المقدَّمة إلى المزارعين. وقد بلغت الفاتورة الصافية لمستوردات البلدان العربية من السلع الغذائية الرئيسية 56 بليون دولار عام 2011، بما فيها 34 بليون دولار للحبوب، ويتوقع أن تبلغ 150 بليون سنة 2050 وفق الوتيرة الحالية. ويسبب تصاعد فواتير المستوردات الغذائية عجزاً تجارياً كبيراً ويرهق الموازنات العامة للبلدان العربية.

 

يدعو تقرير «أفد» الحكومات العربية الى إيلاء التنمية الريفية الزراعية أولوية، كهدف سياسي استراتيجي لتخفيف الفقر في الأرياف وعكس اتجاه سنوات الاهمال. هذا التحول السياسي، مقروناً بخدمات إرشاد زراعي جيدة التصميم، سوف يمكِّن المزارعين من تحسين نوعية البذور وحفظ التربة والمحاصيل الزراعية والممارسات المستدامة، خصوصاً كفاءة الري الذي يستهلك نحو 85 في المئة من موارد المياه. ولا غنى عن الأبحاث للتوصل إلى اختيار وتطوير واعتماد محاصيل تحتمل الجفاف والملوحة، خصوصاً مع المخاطر الوشيكة الناجمة عن تغير المناخ والتي تهدد الانتاجية الزراعية وتوافر المياه. ومن شأن إعادة الحيوية الى القطاع الزراعي أن تزيد حصته في القوة العاملة المنتجة، على نحو يحسّن مستويات المعيشة ويحد من هجرة أهل الأرياف الى المدن. وإذا ارتفعت نسبة العمال الزراعيين في المنطقة العربية نتيجة هذا التحوّل، من نحو 30 في المئة حالياً إلى 40 في المئة من القوة العاملة، فسوف يولّد ذلك أكثر من 10 ملايين وظيفة في القطاع.

 

إضافة الى هذا، من المتوقع أن يحقق التحول الى الممارسات الزراعية المستدامة التي تحمي التربة والمياه وُفورات في البلدان العربية تراوح بين 5 و6 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، أي نحو 125 بليون دولار سنوياً، نتيجة ازدياد الانتاجية المائية وتحسين الصحة العامة وحماية أفضل للموارد البيئية.

 

قطاع الطاقة:

يفتقر نحو 50 مليون نسمة في البلدان العربية إلى خدمات طاقة يمكن تحمل نفقاتها، ما يحد من الفرص المتاحة لهم لتحسين مستويات معيشتهم. وفي حين أصبح أمن الطاقة هماً جدياً للبلدان المستوردة للنفط بسبب ارتفاع أسعاره، فإن استهلاك الفرد للطاقة في بعض الدول العربية المنتجة للنفط هو من أعلى المعدلات عالمياً.

يقترح تقرير «أفد» حول الاقتصاد الأخضر استثمارات مستدامة في مجالات كفاءة الطاقة وفي مصادر الطاقة المتجددة، من خلال الجمع بين المقاييس التنظيمية والحوافز الاقتصادية، بما في ذلك إقرار معايير كفاءة استهلاك الطاقة للأجهزة الكهربائية والإنارة والمعدات في المنازل والمباني التجارية والمصانع. وإذا انخفض معدل الاستهلاك الفردي السنوي للكهرباء في البلدان العربية الى المعدل العالمي، من خلال إجراءات كفاءة الطاقة، فسوف يولد ذلك وفورات في استهلاك الكهرباء يقدَّر أن تصل الى 73 بليون دولار سنوياً. وإذا خفض دعم أسعار الطاقة بنسبة 25 في المئة، فسوف يحرر ذلك أكثر من 100 بليون دولار خلال مدة ثلاث سنوات، وهذا مبلغ يمكن تحويله لتمويل الانتقال الى مصادر الطاقة الخضراء، خصوصاً طاقة الشمس والرياح، وتوليد ملايين فرص العمل.

 

قطاع النقل:

ركزت سياسات النقل في البلدان العربية على إنشاء الطرق السريعة والعادية بدلاً من تعزيز النقل العام. وأدى غياب سياسات تدخّل فعالة في قطاع النقل إلى زحمات سير خانقة في المراكز الحضرية، وسوء نوعية الهواء في كثير من المدن، وتدهور الأراضي.

 

لذلك، لا بد من اعتماد سياسات تدعم نظم النقل العام الجماعي، بما فيها الحافلات والقطارات والمترو وحتى شبكات النقل في المجاري المائية، إضافة إلى معايير لاقتصاد استهلاك الوقود للسيارات. وقد ثبت أن لهذه التدخلات السياسية كلفة منخفضة نسبياً، في حين تنتج أرباحاً اقتصادية واجتماعية وبيئية مرتفعة خلال فترة زمنية قصيرة. وتشمل الفوائد تقديم خدمات نقل موثوقة ومأمونة وكفوءة في استهلاك الطاقة وضمن قدرة الجميع، وفي الوقت نفسه تقلل التلوث وزحمة السير والتمدد الحضري العشوائي. وبتحقيق هدف «تخضير» 50 في المئة من قطاع النقل في البلدان العربية، من خلال زيادة كفاءة الوقود وازدياد استعمال النقل العام والسيارات الهجينة (هايبريد) التي تعمل على الوقود والكهرباء، تتولد وفورات تقدر بنحو 23 بليون دولار سنوياً.

 

قطاع المدن والأبنية:

تعاني المدن العربية من حالات فوضوية في أنماط استخدام الأراضي، ومن تمدد حضري مفرط. وهذا ما يجعل نظم البنى التحتية غير قادرة على دعم سكانها بالشكل المناسب. وساهمت الهجرة من الأرياف وارتفاع تكاليف السكن في كثير من المدن العربية في انتشار أحياء البؤس، التي تعاني من نقص الخدمات الأساسية أو غيابها تماماً. ويتصف استخدام الطاقة والمياه في الأبنية، خصوصاً التجارية والحكومية، بعدم الكفاءة على نحو ينذر بالخطر. ولا تتناسب أساليب البناء في المنطقة بشكل كاف مع الظروف المناخية المحلية. وهذا يؤدي إلى استهلاك مبدِّد للطاقة.

 

من أجل خلق مجتمعات مدينية صحية وناجحة اقتصادياً وقادرة على توفير مستويات معيشة عالية لسكانها، يجب تبنّي أنظمة تصنيف الأراضي ومشاريع التنمية المختلطة الاستعمالات. كذلك يجب تكييف التصاميم التقليدية في العمارة العربية، التي تستجيب للاعتبارات البيئية، وتطبيقها حين تكون ملائمة، بحيث تساهم في الاستدامة البيئية والاجتماعية والثقافية.

 

وبالنسبة الى الأبنية، فإن مقاربة تصميمية شمولية، تدمج المبادئ البيئية في شكل المبنى ومواده ووجهته والمعدات المركبة فيه وجوانب أخرى، تستطيع أن تحقق مكاسب أعلى في كفاءة الطاقة. الى ذلك، فإن إنفاق 100 بليون دولار في تخضير 20 في المئة من الأبنية القائمة في البلدان العربية خلال السنين العشر المقبلة، باستثمار ما معدله 10.000 دولار لكل مبنى لتركيب تجهيزات حديثة، يُتوقَّع أن يخلق أربعة ملايين فرصة عمل.

 

قطاع النفايات:

يعاني قطاع إدارة النفايات في البلدان العربية من التخلف ونقص الاستثمار وممارسات عالية الخطورة للتخلص من النفايات. وفي كثير من هذه البلدان، يبقى أكثر من 50 في المئة من النفايات المولدة بلا تجميع. وكثيراً ما يمارس الحرق في الهواء الطلق في مواقع المكبات، ما يجعل النفايات المتحللة تلوث الهواء والتربة والمياه الجوفية والسطحية.

 

يشير تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) «الاقتصاد الأخضر في عالم عربي متغيّر» الى حاجة ملحة لتحول أساسي في التصدي لمسألة النفايات البلدية الصلبة، من الرمي العشوائي والحرق والطمر الى مقاربة إدارية مستدامة تعتمد منهجية لتخفيض كمية النفايات إلى الحد الأدنى من خلال ثلاثة عناصر، هي: تجنب توليد النفايات أو تقليلها، واسترداد المواد عن طريق إعادة الاستعمال، وإعادة التدوير. ويمكن أن يؤمن «تخضير» قطاع إدارة النفايات للبلدان العربية 5.7 بليون دولار سنوياً. وتساهم الإدارة الخضراء للنفايات في خلق الوظائف، لأنها تعتمد على الأيدي العاملة وتحفز الطلب على المنتجات والنظم والخدمات في صناعات أخرى، كما توفّر فرصاً استثمارية فريدة في إعادة التدوير وإنتاج السماد العضوي وتوليد الطاقة. ويمكن استعمال النفايات الغذائية العضوية، التي تشكل 40 إلى 80 في المئة من النفايات البلدية في البلدان العربية، كمادة أولية لإنتاج السماد العضوي للاستعمال الزراعي وتوليد الغاز الحيوي (بيوغاز) الذي يمكن أن يكون بديلاً لجزء من الوقود الأحفوري. ويمكن استخدام النفايات الزراعية كمادة أولية لإنتاج الوقود الحيوي (بيوفيول).

 

قطاع الصناعة:

على البلدان العربية أن تضع استراتيجيات للتنمية الصناعية تقلل التلوث وتكون «منخفضة الكربون»، أي كفوءة في استهلاك الطاقة فتقلل من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، تحفزها فرصة التطور الى اقتصادات فعّالة في مجالات الطاقة. وهذا يعزز المنافسة الصناعية المحلية وتنوع المداخيل وخلق فرص العمل. ويقدر أن في الإمكان توفير متطلبات الطاقة لكل طن من المنتج في حدود 30 في المئة. فعلى سبيل المثال، من شأن تعزيز كفاءة الطاقة في صناعة الاسمنت أن يخفض استهلاك الطاقة بنسبة 20 الى 40 في المئة لكل طن من الاسمنت. وهذا يمنح الشركة المنتجة أفضلية من خلال انخفاض تكاليف الطاقة.

ومن أهم الاجراءات لتخفيض الانبعاثات اعتماد تكنولوجيات الانتاج الأكثر كفاءة في المصانع الجديدة، وتجهيز المحطات القائمة بمعدات كفوءة بالطاقة حيثما كان ذلك عملياً من الناحية الاقتصادية. ويقدَّر أن يؤدي تخفيض متطلبات الطاقة بنسبة 30 في المئة، نتيجة عمليات صناعية أكثر جدارة، الى وفورات سنوية تزيد على 13 بليون دولار.

 

قطاع السياحة:

أصبحت السياحة قطاعاً هاماً في اقتصادات معظم الدول العربية، وهي تساهم في التنويع الاقتصادي وإيجاد فرص العمل وكسب إيرادات بالعملات الأجنبية. غير أن التأثيرات البيئية والاجتماعية غير الملائمة تبدد الإنجازات الاقتصادية لهذا القطاع. فعدم تنظيم السفر والمشتريات وخدمات الإقامة والترفيه والضيافة، مقروناً بالفوضى في بناء المنتجعات، أدى إلى الإفراط في استخدام الطاقة واستغلال المياه من دون أي حس بالمسؤولية وتوليد كميات هائلة من النفايات. لذا يتزايد إسهام هذا القطاع في الانبعاثات العالمية لغازات الاحتباس الحراري بمقدار 2 ـ 3% سنوياً. ويؤدي التوسع في بناء المنتجعات البحرية إلى تدهور النظم البيئية الساحلية والبحرية. كما تبرز الشكوك والتساؤلات حول مضاعفات إدخال أنماط السياحة العالمية على المجتمع والثقافة والتنمية الاجتماعية.

يتوجه الاهتمام الدولي حالياً إلى السياحة المستدامة المسؤولة للحلول محل السياحة التقليدية. فالأماكن التي تتمتع ببيئات نظيفة ومأمونة تجذب السياح أكثر من الأماكن الملوثة والمكتظة، وتأتي بمداخيل أكبر. فإذا ما زادت الدول العربية استثماراتها في السياحة المستدامة، فإنها بذلك تزيد حصتها في سوق السياحة الدولية وتوفر المزيد من الوظائف الخضراء وتجني أرباحاً أكثر في آن واحد. ويقدر أن ازدياد السياحة الدولية بنسبة 12% في الدول العربية يمكن أن يؤدي إلى زيادة في الإيرادات بنحو 228 بليون دولار كل عام، كما يخلق 5.6 مليون وظيفة جديدة، مما يرفع حصة هذا القطاع في مجمل سوق العمل إلى 10%. كما أن اعتماد تدابير كفاءة الطاقة واستخدام مصادر الطاقة المتجددة يؤدي إلى خفض 45% من استهلاك الطاقة، إضافة إلى تقليص 52% من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في هذا القطاع. أما تدابير كفاءة المياه فسيكون من تأثيراتها خفض استهلاكها بنسبة 18%.

 

خطوات عربية نحو اقتصاد أخضر

 

شهد العقد الماضي انتقالاً ملموساً للبلدان العربية نحو الاقتصاد الأخضر. فمن الصفر تقريباً في اعتماد انظمة اقتصاد أخضر أو استراتيجية مستدامة، وضعت عدة بلدان عربية استراتيجيات من هذا القبيل أو أدرجت عناصر الاقتصاد الأخضر والاستدامة في خططها. وقد ترجمت الاستراتيجيات الخضراء في مجموعة من التدابير التنظيمية والحوافز التي أدخلت في هذه البلدان لتسهيل التحول. وأعطى ذلك إشارة قوية للقطاع الخاص لزيادة الاستثمارات أضعافاً في قطاعات الاقتصاد الأخضر، وخاصة الطاقة المتجددة، وهو أمر واضح في المغرب والأردن والإمارات، حيث تم استثمار البلايين في مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وينفذ المغرب خطة لتوليد أكثر من نصف كهربائه من الموارد المتجددة بحلول سنة 2030. وتعتزم السعودية توليد 9.5 جيغاواط من الكهرباء المتجددة بحلول سنة 2023، وصولاً إلى 54 جيغاواط سنة 2040.

 

انطلقت شرارة الشروع في سياسات تعزز الاقتصاد الأخضر والمستدام من ضرورة معالجة المشاكل الاقتصادية الحرجة الناشئة، إلى جانب النقص في الموارد الطبيعية. فعلى سبيل المثال، كان الإلغاء التدريجي لدعم الأسعار وتخصيص استثمارات مرموقة في مجال كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة في معظم الدول العربية المنتجة للنفط، مدفوعين بزيادة الطلب المحلي على الطاقة والقيود المفروضة على الموازنة نتيجة لانخفاض أسعار النفط. وأدى النقص في مصادر المياه العذبة أيضاً إلى تخصيص استثمارات في كفاءة استخدام المياه وفي مصادر المياه غير التقليدية، بما في ذلك تدوير المياه المبتذلة وإعادة استخدامها. ومن أجل تحقيق الأمن الغذائي، بدأ العديد من البلدان العربية إدخال ممارسات زراعية مستدامة، بما في ذلك الري الأكثر كفاءة وزيادة الإنتاجية. وعلاوة على ذلك، فإن اعتماد نهج الترابط الذي يشمل المياه والغذاء والطاقة يعتبر على نحو متزايد وسيلة حتمية لتعزيز التآزر والتكامل بين سياسات المياه والغذاء والطاقة في المنطقة.

 

أدى هذا التحول إلى زيادة الوعي والاعتراف بالمكاسب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الحقيقية الناجمة عن الانتقال إلى اقتصاد أخضر ومستدام. وينعكس ذلك في زيادة فرص العمل التي تخلقها الاستثمارات الخضراء والكفاءة في استخدام الموارد الطبيعية. ويمكن تنويع الاقتصاد وتنشيطه من خلال خلق أنشطة وفرص جديدة مثل: الطاقة المتجددة، مصادر المياه المتجددة الجديدة من خلال معالجة مياه الصرف وإعادة استخدام المياه المعالجة وتحلية المياه، الزراعة المستدامة، المنتجات الصناعية الخضراء، المجتمعات المستدامة، المباني الخضراء، نظام النقل العام الأخضر، السياحة البيئية، جنباً إلى جنب مع النظم المتكاملة لإدارة النفايات الصلبة التي يمكنها توليد الطاقة وإنتاج السماد العضوي وإعادة استخدام المواد.

 

وقد أدرجت مصر والمغرب وقطر والإمارات بالفعل قوانين المباني الخضراء في مجتمعات حضرية وساحلية جديدة، مثل مدينة الجلالة ومدينة العلمين الجديدة في مصر ومدينة مصدر في أبوظبي ومدينة محمد السادس الخضراء في المغرب. واعتمدت بعض استراتيجيات السياسة العامة، مثل رؤية السعودية 2030، نوعاً من المحاسبة للرأسمال الطبيعي، بوضع قيمة سارية للموارد الطبيعية. وتعطي رؤية السعودية 2030 مثالاً على تحول جذري، مقارنة بالمحاولات السابقة للإصلاح. وأدت الإجراءات المالية التي اتخذتها المصارف المركزية في لبنان والإمارات والأردن إلى زيادة حادة في عدد وقيمة القروض التجارية التي تقدمها المصارف للمشاريع الصديقة للبيئة. وهي تشمل المشاريع الكبيرة التي ينفذها القطاع الخاص، بالإضافة إلى المنشآت المنزلية التي تعزز الكفاءة، ولا سيما في مجال الطاقة الشمسية والمتجددة بشكل عام. وأطلق الأردن عام 2017 سلسلة مشاريع تعتمد الاقتصاد الأخضر.

 

أعطى اعتماد أهداف التنمية المستدامة عام 2015 زخماً جديداً للبلدان في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المنطقة العربية، لتكثيف الجهود الرامية إلى وضع استراتيجيات وسياسات مستدامة وخضراء لتحقيق هذه الأهداف. ومن المتوقع أن توجه حصة متزايدة من إجمالي الاستثمارات إلى مشاريع التنمية الخضراء والمستدامة في السنوات المقبلة. وأحد المؤشرات على الاتجاه الجديد هو أن تمويل عمليات التنمية، خاصة للبنى التحتية، من المؤسسات الإنمائية الوطنية والإقليمية العربية خلال الفترة 2006-2016 بلغ 51 بليون دولار، أي نحو 57 في المئة من إجمالي التمويل التراكمي (90 بليون دولار) على مدى فترة  40 سنة منذ عام 1975.

 

ومع ذلك، فهناك حاجة إلى ما يتجاوز هذا بكثير، إذ يتعيّن على الدول العربية تخصيص مبلغ إضافي لا يقل عن 57 بليون دولار سنوياً من مصادر محلية وخارجية لدعم تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، التي يتطلب تحقيقها عملياً اعتماد مبادئ الاقتصاد الأخضر.

ينبغي أن نتبع نمط عيش أكثر اتزاناً وبرنامجاً يخدم التقدم

الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بالتساوي

الاقتصاد الأخضر، في الجوهر، منهجية تعزز النمو الاقتصادي وتحمي البيئة وتضمن المساواة الاجتماعية في آن واحد، مع عدم السماح بازدهار أي من هذه الأبعاد الثلاثة على حساب البعدين الآخرين. ويستلزم ذلك تشجيع الاستثمارات الاقتصادية، شرط الاستخدام المستدام للموارد بما لا يتجاوز حدود الأرض الإيكولوجية، مع إتاحة المجال لتأمين الرفاهية والفرص الاقتصادية للجميع.

 

يهتم الاقتصاد الأخضر بجعل جميع القطاعات أكثر كفاءة على المدى الطويل، فيزيد إنتاجية الموارد (خصوصاً الطاقة والماء) إلى أقصى حد ممكن، ويقلل النفايات، ويخفض التلوث وكميات المواد المستعملة. وتُوجَّه الاستثمارات في الاقتصاد الأخضر إلى الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية من أجل زيادة إنتاجيتها الاقتصادية والبيئية وقدرتها على خلق وظائف ودعم الفقراء. إلى ذلك، يتم اعتماد الإدارة المشتركة لهذه الموارد الطبيعية، لتضم جميع الجهات المعنية، خصوصاً الجماعات الضعيفة. وهذا يضمن المساءلة والشفافية بشأن كيفية إدارة الموارد الطبيعية.

 

ولا بد من اعتماد مبادئ الاقتصاد الأخضر لتحقيق أهداف التنمية المستدامة الـ17 التي التزمت دول العالم تحقيقها بحلول سنة 2030.

 
نشاطات مدرسية
إختبر معلوماتك
افلام
وثائقية
بوستر
للطباعة
إختبارات بيئية
         
  © Afed-ecoschool 2012 By Activeweb ME